![]() | |
![]() | |
|
| |||||||
| الملاحظات |
| ||||
| | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
| |||||||||
| |||||||||
| المقامات فنٌ أدبيٌ راقٍ ، يظهرُ فيه السجع والفكاهة : وهي مجموعة حكايات قصيرة متفاوتة الحجم جمعت بين النثر والشعر بطلها رجل وهمي وقد يكون حقيقي يُعرف بخداعه و مغامراته و فصاحته و قدرته على قرض الشعر و حسن تخلصه من المآزق إلى جانب أنه شخصية فكاهية نشطة تنتزع البسمة من الشفاه و الضحكة من الأعماق. و يروي مغامرات هذه الشخصية التي تثير العجب و تبعت الإعجاب رجل وهمي آخر يفتتحُ المؤلف بقوله حدثنا .... فتجد الهمذاني يقول في مقاماته حدثنا عيسى بن هشام قال .... والشخصية الفكاهية ( البطل ) أبوالفتح الإسكندري . والحريري في مقاماته : حدثنا الحارث بن همام قال .... والبطل ( أبوزيد السروجي ) .... بديع الزمان الهمذاني هو الذي وضع أسس هذا الفن وفتح بابه واسعاً ليلجه أدباء كثيرون أتوا بعده و أشهرهم أبو محمد القاسم الحريري و ناصف اليازجي..... و لهذا الكتاب فضل كبير في ذيوع صيت ' بديع الزمان الهمذاني : لما احتواه من معلومات جمة تفيد جميع القراء من مختلف المشارب و المآرب إذ وضعه لغاية تعليمه فكثرت فيه أساليب البيان و بديع الألفاظ و العروض, و أراد التقرب به من الأمير خلف بن أحمد فضمنه مديحاً يتجلى خاصة فيالمقامة الحمدانية و المقامة الخمرية فنوع و لون مستعملاً الأسلوب السهل, واللفظ الرقيق, والسجع القصير دون أدنى عناء أو كلفة. و تنطوي المقامات على ضروب من العلوم إذ نجد بديع الزمان'‘ يسرد علينا أخباراً عن الشعراء في مقامته الغيلانية'‘ و'‘ مقامته البشرية و يزودنا بمعلومات ذات صلة بتاريخ الأدب و النقد الأدبي في مقامته الجاحظية و القريضية و الإبليسية, كما يقدم فيمقامة أخرى ردوداً شرعية على طوائف مبتدعة ويقتبسُ من الشعر القديم و الأمثال القديمة و المبتكرة فكانت مقاماته مجلس أدب و أنس و متعة و قد كان يلقيها في نهاية جلساته كأنها ملحة من ملح الوداع المعروفة عند أبي حيان التوحيدي في "الامتناع و المؤانسة", فراعى فيها بساطة الموضوع, و أناقة الأسلوب . و زودها بكل ما يجعل منها: وسيلة للتمرن على الإنشاء و الوقوف على مذاهب النثر و النظم. رصيد لثروة معجمية هائلة مستودعاً للحكم و التجارب عن طريق الفكاهة وثيقة تاريخية تصور جزءاً من حياة عصره و إجلال رجال زمانه. إنها قطع أدبية ومسرحيات هادفة ممتعة محشوة بالفوائد المتنوعة مبهرة بالطُرف والملح .... نقلتُ هذا التعريف بتصرف قال أبوالشيخ : وقد كتبتُ مقاماتٍ ( لو رأها الهمذاني أو الحريري لطواها وفلق بها هام الرأس وأوجعني ضرباً أجدُ ألمه أشد من ألم الضرس ) .... فإن رأيتم أن أرقمها هنا بشرط المتابعة والتعليق لأن كتابتها مضنية وتسرقُ الزمنَ !! أُظمنها شعراً وقصصا وتعليقا ونقدا ... وقد أتعرضُ لأسماءَ أعضاء المنتدى ... فإن لم أجد مؤنساً إلا رجع صوتي !! قفلتُ .... وأغلقتُ دفاتري ... ووليتُ إدبارا لأجد نادٍ آخرَ أُودعُ فيه بضاعتي المزجاة ...... قد يقول قائلٌ : أبا الشيخ ناقضتَ نفسك أكتب إن كُنت مُخلصا !! أتنصحُ غيرك في الأدب ونفسُك أولى بالنصح .... لكن ... وقد أسلفت .... الكتابةُ مضنية ... وللوقت سارقة .... ولا أريدُ الوحدة فهي مظنةُ الإستيحاش .. اللهم أخلص نيتي فهي مطيتي |
| سلسة مقامات ( أبوالشيخ ) |
| |
|
#2
| ||||
| ||||
|
أبوزيد العطوي ( نسبةً إلى عطوة من بني زيد ) أما من يُعالجُ صاحب الشهامة والفخامة والفُكاهة : أبوعمروٍ الحرقوصي جعلتها مقامات ولكل مقامة عنوان : المقامةُ الأولى : المقامةُ الــنَسـَــبِية قال أبوالشيخ : حدثنا أبوزيد العطوي قال : لما كنت في إ قتبال الشباب وحداثة الأتراب وريعان العمر وقد كنت أجمل من القمر بعيدا عن الفجور والعهر قد جمعتُ نضارة الشباب إلى أُبهة الشيب ، لاأعرف بلوتوثاً ولامايجر إلى العيب ... وَمـا الحسـنُ فـي وَجـهِ الفَتى شَرفا له ..... إِذا لــم يَكـنْ فـي فعلـه والخـلائق طرحني طلبُ الرزق مطارحه ، فضربتُ في طلبه كبد الرديتر ، في حرٍ ينضج الجلود ويُذيبُ القيود !! فقد والله أَطبخَ كبدَ الرديتر ، ورفع الهيتر ، في حرً لم تنقله رويتر ، فما كان من الرديتر ، إلا أن حل ربطة عنقه فقاء ما في بطنه ، ثم تنفسَ الصُعداء ، وتركنى و الغَبراء !! فأصبحتُ و سيارتي : مثلُ النعامةِ لا طيرٌ ولا جملُ فأصلحتُ شأني ، وأسقيتُ دابتي حتى تجشأت ، ويممتُ دربي ، آ كلُ الطريقَ والطريقُ يأكلني ...... وجعلتُ أنشدُ ، وللهجيني أردد ، قولَ المتنبي : إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ........ فأهون ما يمر به الوحولُ حتى إذا وطئتُ أرضاً كثيرةُ السِباخ ، عليلةُ المناخ , وسخةُ السماء ، ملوثةُ الهواء !! قلتُ : ماهذا البلد ، عشتُ والله في كبد !! جبتُ أزقتها ، ونظرتُ في معالمها ، فإذا حدودها متضايقة وأبنيتها متراكبه ، فسألتُ اللهَ العافية . وجعلتُ أرددُ قولَ الشاعر النصراني إيليا أبو ماضي : قال السماءُ كئيبةٌ وتَجَهَما ...... قلتُ ابتسم يكفي التجهمُ في السما فاكتريتُ بها شُـــقة ، لأخـلعَ عن عاتقي عناء تلكَ السفرة ، فأبت عيني الرقاد ، وطاولني السهرُ والسهاد !! وجعلتُ أرفع صوتي ، لأبدد خوفي ، وعلى طريقة الهجيني ، بقول أمرىء القيس الحميري : وليل كموج البحر أرخى سدوله ...... علي بأنواع الهموم ليبتلي فمن شدة الوحشةِ ، جعلتُ أنظر في السقف فلاأرى إلا خفافيش ، وإلى الجدران وقد كساها الوزغ حتى غطى الفيش !! وجعلتُ أرتجز : يا أبتا أرقني الوزغان ....... فالنوم لا تطعمه العينان فخرجتُ من الشُقة ، فقد أصابتني تكة ( وليست تخمة من دجاج تكا ) لأبحث عن أنيس : وبلدة ليس بها أنيس ..... إلا اليعافيرُ وإلا العيس وأنا والله ياأبا الشيخ قد حُببت إلي العُزلة ، فليس لي رفقة ، تجمعني بهم حلوى طُعمة ، ممتثلاً قول الشاعر : يامعشرَ الإخوانِ أوصيكمُ ........ وصيةَ الوالـــدِ والوالــــدة لاتنـقــلـوا الأقـــدامَ إلا إلى ..... من لكم في نقـــلها فـــائدة إمــــا لعلمٍ تستفيدونهُ ....... أو لكـــريـــمٍ عنده مـــائــدة إن جُــزتَ أرضاً أهلها كلهم ....... عُـــورٌ فغمِـــض عينك الواحدة .................................................. ..................... قال أبوالشيخ فتعب شيخنا هنا من الحديث ولما يُكمل المقامة ووعد بمجلس آخر |
|
#3
| ||||
| ||||
|
فأكمل شيخنا أبوزيدٍ العطوي حديثه قائلاً : فخرجتُ من تلك الدويرة ، لاأعادها الله من دويرة ، بعد أن سامرتُ فيها الهموم ، وعانـقـتُ الغـموم ، ألتمسُ مؤنسا ، ولو قرداً مهرجا ... فيممتُ وجهي إلى ... لا أدري !! ولقد أبصرت قدّامي طريقًا فمشيتُ وسأبقى ماشيًا إن شئتُ هذا أم أبيتُ لستُ أدري! وطريقي ! ما طريقي ؟ أطويلٌ أم قصير ؟ هل أنا أصعدُ أم أهبطُ فيه وأغور؟ أأنا السّائرُ في الدّربِ أم الدّربُ يسير؟ لستُ أدري ؟ فالأهم أن يذهبَ همي ، ويبتعد بالسير غمي ، فتارة أرتل ، وتارة صفر ، وتارة أصفق ، وتارة أُهيجن بعامِيِكم : طيري غدا والسُلوقي راح ...... يَا وَحـــلالاه يـَـاطـــيـــري اصيح وارمي بالملـواح ...... واظن طيري لقى غيـــري وتارة بقول المتنبي : شرُ البلادِ مكانٌ لاصديقَ به ... وشر ما يكسبُ الإنسانُ مـايَصِمُ وثالثةً بقولِ ميسون زوجةُ الصحابي وكاتب الوحي معاوية السفياني رضي الله عنه : للبسُ عباءةٍ وتقـــرُ عيني ..... أحبَ أليَ من لبـــس الشُـفُوفِ وبيتٌ تخفُقُ الأرواحُ فيه ..... أحبُ إلىَ من قـــصـــرٍ مُـنيفِ أين القصر بل أين الخيمة ، ماهنالك إلا دويرةٌ يلعقٌ الوزغُ جُدرانها ، وعناكب قد باتت في زوايها ... ورابعة بقول أبي تمام : بلادي وإن جارت عليَ عزيزةٌ ..... وأهلي وإن ضَنـُوا عليَ كرامُ إلى أن نعى الديكُ الظلام ، ولاحت تباشيرُ الصباح ، فنادى منادي الفلاح ، أن حي على الصلاة ..... |
|
#4
| ||||
| ||||
|
صلة : إلى أن نعى الديكُ الظلام ، ولاحت تباشيرُ الصباح ، فنادى منادي الفلاح ، أن حي على الصلاة حي على الفلاح ، فأحسستُ والله بانشراح ، فلما أن صلينا المكتوبة ، إشتهيتُ المقلوبة ، وتلكم والله الشهوةُ المنكوبة ، ثم التمستُ الأُنس ، حولَ جماعةٍ من الإنس ، فإذا رجلٌ شكله ظريف ، ولبسه نظيف ، قصيرُ القامة ، عظيمُ الهامة , جاحظُ العينين عريضُ المنكبين ، كبيرُ البطن ، ضاحكُ السن ، قد جلس مستندا ، و لقدميه مُفَرِجَاً مادا ، حتى أهوت كرشته للسجود ، كأنه جرة الفول ، قد جمعَ الإستدارة والطول . وقد إلتف حوله نفرٌ مستأنسين لحديث ، فاقتربتُ ، وللسمعِ استرقتُ ، فإذا رجلٌ فصيحٌ ، وحديثٌ مليحٌ ، فكان مما قال : لما كنتُ فتي السن ، رطيبُ الغُصن ، قد جمعتُ نضارةَ الشباب إلى حنكةِ الشِيب ، قد كان العلمُ حشوُ ثيابي ، والأدبُ ملءُ إهابي ، فكأن المتنبي ببيته عناني : أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ......... وأسمعت كلماتي من بهِ صممُ قد رزقني اللهُ بخُلُـقٍ لو مُزجت حلاوتُهُ بماء البحر لأذهبت ملوحته ، وأصفت كُدُورته ، مع منظرٍ كما ترون ، يملأُ جمالُهُ العيون ، ويأسرُ النفوس ، فكنتُ أحدوثة كلِ عروس ، فاللهم احفظني من كُلِ هامة ، ومن كُلِ عينٍ لآمة . وكما قيل : يامن تدثرَ في الجمال فما ترى ....... عيني على أحدٍ سواه جمالا أكثرتُ من قولي عليك من الرُقى ..... وضربتُ في شعري لك الأمثالا فلا يُزاحمُني في الجمالِ نصرُ بنُ حجاج الذي قالت فيه النساء : هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشربها ……… أم من سبيل إلى نصر بن حجاج إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل …….. سهل المحيا كريم غير ملجاج ثُم التفتَ إلي وقال : أيها الغريبُ ، الماجدُ الأريبُ ، أأنت مستريب ؟؟ فقلتُ في ذهول : مِثلُكَ ما رأيت ، صدقتُ وما جاريت . ثم ابتسم فانبلجت من بين شفتيه أضراسٌ كأضراس حمار !! فتذكرتُ المثل : ذكرني فوها حماري أهلي في رجلٍ بعثهُ أهله ، ليبحث لهم عن حمارين ، فرأى امرأةً قد انتقبت ، وللعينين أظهرت ، وبالكحل سودت ، فطار لبه فنسي ا لحمارين ، وأخذ يتبعها ، إلى أن ولجت زُقاق ، فكشفت عن وجهها فإذا هي امرأةٌ فوهاء بارزة أضراسها !!! فقال : ذكرني فوها حماري أهلي أقفُ هنا لأصل ..... والجلسةُ الأخرى نهليةُ هذه المقامة |
|
#5
| ||||
| ||||
|
إليكم تمام التمام ومسكُ الختام لهذه المقامة : قال شيخُنا أبوزيدٍ العطوي : واصل الظريفُ حديثه فقال : ولولا ماجاء من النصوص ، في النهي عن تزكية النفوس ، لذكرتُ لكم شيئاً من شمائلي ، وعددت لكم مناقبي ومفاخري ،ولاأزكي نفسي ، أعودُ للمقصود ، فقد طاب لكم القعود ، فحديثي أزكى من العود ، لما كنت في باكورة العمر ، جمعتني الأيامُ بنفرٍ ينزعُ كل واحد منهم إلى قبيلة ، ذوي شهامة وشكيمة ، في محلةٍ قدهجرها اليومَ بُناتُها ، ونعق فيها غرابها ، فكادت أن تلبس البلى وقد تعطلت من الحُلى ، إلى أن توطنها مَن بعضُهم يَضرِبون الغِربَال ،ويلبسون من السواد سربال ، وفيهم ذو الدينِ صالحُ الحال ، مَحِلةٌ بُيوتها من الطيٌن تُدعى مِعكال ، على وزن مفعال ،كمفضال ومصقال ، وقد جمعتني بهؤلاء النفر ليلةٌ بدرية ، يُعبرُ عنها عندكم بالرومانسية ، وماعرفتم أصلها ولا خبرتم مَنزعَها ، وهكذا أنتم ياأهل هذا الزمان ، قلدتم الطليان والرومان ، فأصلها مصدرٌ منحوت ، ولإإخالكم تفقهون كلامي فقدوالله أعماكم البرياني ، فالمصدرُ المنحوتُ قد هُذبت أطرافُه وقُلِمت أظفارُه من كلمتينِ فأصبحت كلمة ، قاله ابن علان رحمه الرحمن وهو عالمٌ لغوي من بلدة يقال لها نُخيلان وهي من قرى العرض قريبةٌ من شقراء (فوالله لاأدري أسميت شقراء لشُقرةٍ في جبالها أو في نسائها قولان حكاهما رجلٌ من بلدة خُنيفساءأو خُنيفسه وبئست الأسماء والأرجحُ الأولُ والأسماءُ لاتعللُ ولو كانت مضطردة فما القول في مُحيرقة !!! ) . محاذية للشعراء بإسكان الثلاثية وفتح المهملة على بعد خمسة فراسخٍ من داورد أو الدوادمي وهي جنوب شرق القويعية بلدة كثيرة القيعان مجاورة لبلدة الرين والتي يجري بها نهرُ الراين ، قاله في معجمه اللغوي ، وزاد : الرومانسيةُ لفظٌ مركبٌ ، ذو مَعنى يُكهرب ، هكذا قال ، أوله الروم وهم جنسٌ من ولد آدم لا كثر الله سوادهم ، يدينون بالنصرانية ، منهم قائد الحروب الصليبية ملك الويلايات ، عليها من الله الويلات ، بوش الأحمق القرد الأخرق ، له وجهٌ كأنه تبرقع بالحنادس واكتسى قشور الخنافس وهو أحمقُ من باقل الذي قال فيه الشاعر : يلومون في حمقه باقلا ..... كأن الحماقة لم تخلق فلاتكثروا العذل في عيه .... فللصمتُ أجملُ بالأنوق خروجُ اللسان وفتح البنان ..... أحبُ إلينا من المنطق أما ثاني اللقب فكلمةُ انسي ، ولها وجهان كما قال ابن علان : إما من الأنس ، فالرومي أنسي ، وإما أن يكون أصله منسي ، ومنه فوال منسي ، رجلٌ من أهل مكة ، يتقنُ صنعه. وهناك قولٌ آخر ، وبالإصابة زاخر ، فيقول قائله : أصلُ الكلمة أعجمية ، ليست مهرةٌ عربية ، مأخوذة من رومانس ، بمعنى القصة العاطفية ، والرواية الخيالية ، وهي تدل على مذهب أدبي ، يُدعى المذهب الرمانسي ، نشأ كردةِ فعلٍ للمذهب الكلاسيكي ، وفيه انفلاتٌ من القيود ، وتعدٍ للحدود ، يقول أحد الأعاجم ، اكرم الله أهل العمائم، بول فاليري : (( لا بد ان يكون المرء غير متزن العقل اذا حاول تعريف الرومنسيه )) أءهـ انتهى كلام ابن علان عليه الرحمة والغفران . وكان مما كان ، في تلك الليلة في ذلك الزمان ، أن ارتفعت من الغضب الأصوات ، وتعالت من الحنق الصيحات ، فاقتربت واستمعت فإذا إثنان من الأصحاب ، يتفاخران بالأحساب ، ويتطاعنان في الأنساب ،فكانت ريحاً عصبية ، وعاصفة قبلية حجازية بدوية ،فامتطيتُ صهوة الصمت ، ووقفتُ على السكت ، وعلمتُ أن مقتلَ الرجلِ بين فكيه ، ورُبَ قولٍ أشدُ من صول ، وكما قال الزول : وجرحُ السيفِ تأسُوهُ فيبرأ ...... وجُرحُ الدهر ما جَرَحَ اللسانُ جِراحاتُ الطِعانِ لها التئامٌ ...... ولايلـتامُ ما جـرحَ اللسـانُ فمما قال البدوي : نحنُ أهلُ الشجاعةِ والشهامة ، وأهلُ البذل والكرامة ، أما أنتم يا حضر فأهل الجبن والرخامةوإهل البخل والحقارة ، فقاطعه الحضري القرشي : فوالله بعد ما أنزل الله في سورة التوبة ، فما لكم من أوبةالأعراب أشدُ كفرا ونفاقا ، فوالله لا أدري إذا تكلم البدوي ، أفسا أم تنفس ، بكم جهلٌ كثيف وعقلٌ سخيف ... فإذا الأمر قد زاد ، وعن الجادة قد حاد ، فرأيتُ أن لابد من فصل الخطاب ، وإغلاق الباب ، فاقتربتُ منهما ، فقلت : يامن شرفهما الله بالإيمان ، وأعلى منزلتهما بالإحسان ، لعلكما تأذنان ، وللحديث تسمعان ، فقالا : تفضل وبالحق تكلم . فقلتُ هو ذاك فا سمعا : قد والله سمعتُ ماقلتما ، فبئس ما قلتما ، قد سودتما صحائفكما ، أبعبية الجاهلية تفتخران ، أطعناً في الأنساب ، وفخراً بالأحساب ، وكلكم من آدم وآدم من تراب ، ووالله لقد غابت عنكم الألباب ، ومن ذلك حذركم رب الأرباب ، وأنذركم شريف الأنساب عليه الصلاة والسلام ، فتذاكروا الأنساب لتعارفوا ، لالتتفاخروا وبالألقاب تنابزوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم . والتفتُ إلى البدوي فإذا هو قد طأطأ رأسه ، فذكرته بمثالب الأعراب ، وأن فخرهم بالدين والأخلاق لابالغدر والسلاب ، فكان أعقلهما . أما الحضري القرشي فقد جمع شفتيه وقطب حاجبيه ونظر إلي عابساً فقال أنا من قريش قد تناولتُ المجد كابر عن كابر واكتسيتُ الشرفَ على الأصاغر والأكابر! فقلتُ : قد شرف اللهُ قريشاً بأن اختارَ منها محمدا نبيا ، فهذا فخرها ، وبالإسلام عزها ، فقاطعني القرشي ، فقطعته وقلت : ويعترضُ الكلامَ وليس يدري ..... أسعدُ اللهِ أكثرَ أم جذامُ فنظر عابسا ً فأنشأتُ أقول : ياعابساً كلما طالعتُ مجلسَهُ ...... كأن عبسَـتهُ من ذرق حمـاء فصرخَ الفرشي قائلاً : بلغنا السماء َ بأنسابنا ..... ولولا السماء لجزنا السماء فحسبكَ من سؤدَدٍ أننا ...... بحُسنِ البلاء كشفنا البلاء إذا ذُكِرَ الناسُ كنا ملوكاً .... وكانوا عبيداً وكانوا إماء فقلتُ : وانعم بقريش إذا مااتقت ، الشرفُ في الإيمان ياقُرَشي ، واسمع ماقال الحسنُ البصري : ( يابن آدم لِمَ تفتخر وإنما خرجتَ من سبيلِ بولينِ نطفةً مُشِجت بأقذار ! ) وكما قيل : يزينُ الفتى في الناسِ صحة عقله .... وإن كان محظوراً عليه مكاسبه يشينُ الفتى في الناس قلةَ عقله ... وإن كرُمت آباؤه ومناسبه وقد قيل : لكلِ شيءٍ زينةٌ في الورى ..... وزينةُ المرء تمامُ الأدب قد يشرُفُ المرءُ بآدآبه .... فينا وإن كان وضيع النسب وهلا فلتَ بقول عبد الله بن معاوية: لسنا وإن أحسابنا كرُمت ........ يوماً على الأحسابِِ نتكلُ نـبني كـما كانت أوائِـلُـنا ........ نـبـني ونفعلُ مثلما فعلوا وكما قيل : فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ..... إن التشبه بالكرامِ فلاحُ وآخرُ ما أسمعك ، وإن تعكر خاطِرُك ، وفسدَ مزاجثك ، فيداكَ أوكتا وفوك نفخ ، ما ذكره ابن بشكوال في الصلة حيثُ قال : انشدني محمد بن حزم قال : أنشدني أبوعمرو البياني : إذا القرشي لم يُشبه قُريشاً ...... بـفِــعلِهُمُ الذي بذ الفِـعــالَ فتيسٌ من تيوسِ بني تميمٍ ..... بذي العبلات أحسنُ منه حالا فعند ذلك ، سكت القُرشي ، فسكتُ عن الكلام ، ودعوتهما إلى الطعام ، فهذا والله فعلُ الكِرام . قال أبوزيد العطوي : فسبحان الله كيف جر في الفصاحة رسنه فكأن لسانَه ثعبانٌ ينسابُ بين رمال ، أو ماءً يتغلغلُ بين جبال . فما أن أنتهى الظريفُ من الكلام ، قال من عنده اليومَ الطعام ؟ ... فقال أحدهم : طعامُكمُ اليومَ عندي ، فقال الظريف : قد استحيتُ والله منكم ، ولن أرُدَ دعوة كريم ، ثم أمسك بيدي وقال وهذا الغريبُ ضيفي . فأذا الرجلُ قد أعد مائدةً نظيفةً محفوفةٌ بكلِ طريفة ، فإذا صاحبنا الظريف آكلُ من النار وأشربُ من الرمل ! فلما خرجنا من الدار ، بادرني قائلا من الغريب الحبيب ؟ فقلتُ : أبوزيدٍ العطوي . فقال : من قبيلة بني زيد ؟ قلت : نعم ، فقال : أصلٌ راسخ ، وفرعٌ شامخ ، ومجدٌ باذخ ، وحسبٌ شادخ ، فمن أيِها أنت ؟ قلت : من عطوة ، فقال : أهلُ الشرف والحظوه ، والكرمُ والقوه ... قلتُ من أنت ؟ فوالله قد داخلني شعورٌ نحوك أفصح عنه امرء القيس حيثُ قال : أياجارتا إنا غريبانِ هاهُنا .... وكُلُ غريبٍ للغريبِ نسيبُ فقال : إني أمرؤٌ حميري حين تنسبني ...... لامن ربيعةَ آبائي ولامــضرُ قلتُ : أفصح أحسن الله إليك : فقال : إذا بنو زيدٍ كانت أرومتي .... وقام بنصري حامدٌ وابنُ حامدِ عطستُ بأنفٍ شامخٍ وتناولت ..... يداي الثريا قاعداً غير قائمِ فقلتُ : قد زالت الوحشة ، وانتفت الوحدة ، ابنُ عمٍ قريب ، أديبٌ أريب ، فمن أي بني زيد أنت ؟ فقال : أنا أبوعمروٍ الحرقوصي من نسل الحراقيص . فقلت : أكرم بهم أنعم ، نسبٌ فخم ، وشرفٌ ضخم . فقال وبقوله أختم المقال والمقام : إن أكرمكم عند الله أتقاكم ،،،، والسلام |
![]() | سياسة الخصوصية | ![]() |