المنتديات
|
#1
|
|||||
|
|||||
قصة معركة الحياة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قصة معركة الحياة قصة بوليسية اجتماعية تتكون من ثلاث أجزاء قررت أنزل جزء الأول كامل وإذا لقيت إقبال عليه بنزل الأجزاء الثانية ============ معركة الحياة / الكاتبة : أفراح قلبي الجزء الأول سرقة وسطو وخطف وقتل، تلك هي القضايا التي يتولاها رجال الشرطة في أغلب الأوقات وقضاياي انحصرت على السرقة والسطو وهو الذي كان يتهافت عليها المنحرفين بشكل كبير، لذا ما كنت لأنتهي من قضية حتى يُوَّكل إلي قضية أخرى، ربما لهذا السبب انزعجت مني زوجتي وطلبت الانفصال، وأنا ولغبائي وافقتها على طلبها فوراً في غمرت غضبي، وذلك ما ندمت عليه أشد الندم فيما بعد وقد زاد إحساسي بالندم حين اتصلت بي زوجتي - ناهد - لتقول لي " ستصبح أباً يا جواد، أنا حامل". لقد صدمتني تلك العبارة ولمت نفسي كثيراً على تسرعي، لقد كانت تلك الأفكار تدور في رأسي حين قال لي زميلي حسام: الضابط جهاد يطلبك يا جواد. لقد كان ذلك آخر ما ينقصني، قضية جديدة!، كم سئمت ذلك. اتجهت إلى مكتب الضابط وأنا أتمايل كالعجائز، كنت سئماً فعلاً من العمل، لكني كنت مخطئاً في ظنوني، فحين رآني الضابط قال لي بعطف: اجلس يا جواد، لقد أخبرني حسام أنك تبدو مرهقاً جداً في الأيام الأخيرة. - أنا كنت فقط... أقصد أنني.. - لا تكمل يا بني، أدرك حق الإدراك السبب في معاناتك، لكن ذلك لن يفيدك أبداً، عليك أن تتخذ قراراً في نهاية الأمر. - آسف.. لكني اعتقد أننا في مكان عمل، والأمور الخاصة لا تناقش هنا. كنت قد بدأت أتضايق من نظرت الآخرين لي، لست أول ولا آخر شخص ينفصل عن زوجته، وعلى كل حال ربما كنت السبب في نظرتهم إلي، فأنا وللأسف عاجز عن إخفاء مشاعري، قال لي الضابط: أعلم ذلك يا عزيزي، لكن نادراً ما أراك في هذه الأيام، وبما أنك توقفت عن زيارتي اضطررت للتحدث معك في وسط العمل. - أنا آسف. لقد شعرت حينها بأنني شخص أناني جداً، فذلك الضابط هو أبي في نهاية المطاف، كان علي مراعاة مشاعره الأبوية تجاهي، أبي يسكن لوحده في منزل كبير وربما كنت سأفضل البقاء معه لو لا الشرط الذي وضعته ناهد حيث أرادت أن يكون لها منزل خاص، لا شك أنه يشعر بالوحدة من بعدي، لذا قلت له: أنا آسف أبي. - كان من شأني أن أطلب منك المجيء للإقامة معي لولا أنني قررت إرسالك لقرية الأنوار. - قرية الأنوار!. قرية الأنوار هي قرية صغيرة تقع في آخر المدينة وهي في الحقيقة أرض واسعة يعتمد أهلها على الزراعة في عيشهم، هي بعيدة جداً عن الشارع العام لذا فهي تتمتع بالهدوء، عشت هناك أيام طفولتي مع عمتي سارة وزوجها، بينما كان أبي في المدينة يقوم بعمله وكان يأتي إلينا في آخر الأسبوع، بعدها انتقلت للعيش مع أبي وكنت أزور عمتي بين الحين والآخر لكني انقطعت عن ذلك منذ أن بدأت بالعمل، واستغربتُ أن أبي يريد إرسالي إلى هناك والإجازة لا تزال بعيدة فقال لي: ألم يعجبك قراري، أم تراك سئمت من تلك القرية البدائية. - بالطبع لا يا أبي، لكن .. لا تزال الإجازة بعيدة الأمد ولو كان الأمر بيدي لاتجهت من فوري إلى هناك فأنا أشعر بالضيق هنا. - لكنك ستذهب بخصوص العمل يا عزيزي، وفي الوقت ذاته تستمتع بهواء قرية الأنوار النقية. - وما هو نوع العمل الذي يتطلب مني الذهاب إلى القرية؟!. عندها رمى أبي بملف أصفر أمامي قائلاً: هذا التقرير من شرطة القرية، هناك شكوك بأن مُروِجي المخدرات ينتشرون في القرية وقد حصلت حالتي وفاة بسبب المخدرات وهناك شك بوجود عدد كبير من المتعاطين. - المخدرات!، في تلك القرية الصغيرة!. - أجل. - وما هي مهمتي أنا ؟! ... أنت تعلم أن قضايا المخدرات ليست من اختصاصي. - أعلم، وعلى كل حال لقد وكلتُ القضية لهاني . هاني هو أحد أبرع الشرطين الذين عرفتهم على الإطلاق، وهو رجل في الأربعين من عمره له خبرة في التعامل مع مروجي المخدرات وقد حقق نجاحاً رائعاً، لكني فعلاً لا أفهم ما هو موقعي في هذه القضية، وسرعان ما أجابني والدي على سؤالي قائلاً: أنت ستكون مرافق هاني، ولكن بشكل سري. - مرافق هاني!، وبشكل سري!، أبي أنا لا أفهم. - اسمعني جيداً يا جواد، التقرير يبين أن هناك مروجي المخدرات من بين الأهالي وبما أن عدد أهالي القرية إجمالاً ليس بالكثير، فهذا يعني بأنه من المفترض أن يكون سهلاً جداً إيجاد ذاك المجرم، لكن كما ترى لم تصل شرطة القرية إلى أي دليل يقودهم للفاعل، لذا سيكون من المفيد جداً أن يختلط أحد ما ((شريطة أن يكون من خارج تلك القرية)) بالأهالي فذلك سيكون أسهل في كشف المجرم من بينهم، وأنت.. - وأنا سأكون ذلك الشخص، لكن أبي لماذا اخترتني أنا بالتحديد؟!. - هاني هو الذي أقترح علي ذلك. - هل هو واثق من اختياره، قد لا أفيده بشيء. - اعتقد أنه أحسن الاختيار، فسيكون من الطبيعي جداً أن تذهب لزيارة عمتك يا عزيزي. - ربما، لكن بما أن عمتي تسكن هناك فلا بد أن الجميع يعلم بأنني شرطي. - لا، لقد أرسلت لي عمتك رسالة فيها جواب على سؤالي، لم تكن تعلم أنك عملت في الشرطة فهي كانت تعتقد بأنك أصبحت طياراً، يبدو أنك كنت تردد ذلك على مسامعها كثيراً. - اعترف بهذا، فالطيران كان أشد ما يجذبني. - حسناً، كل شيء جيد، أدرس ملف القضية واستعد للذهاب إلى القرية بعد غد. - بعد غد!، بهذه السرعة!. - عملنا يتطلب السرعة، نخشى من ازدياد عدد الضحايا. ****************** اكتفيتُ بتحريك رأسي دليلاً على الموافقة، بينما تابع هو قائلا: وفي حال اشتبهت بأيٍ كان ولأي سبب يمكنك إبلاغي، هل أعطاك والدك رقمي؟. - أجل، اطمئن سأكون حريصاً. - كل ما أريده منك هو أن تكون طبيعياً. - أمرك. وقبل أن أقود سيارتي في طريقي أمسكت هاتفي واتصلت بناهد، جاء صوتها متعباً من خلال الهاتف فقلت لها: ناهد، أنا جواد، كيف حالك؟. - جواد، أنا بخير، ما الأمر، لم اتصلت ؟. - حسناً.. أنا.. أقصد أردت الاطمئنان عليك. - بل أردت الاطمئنان على الجنين، لا تقلق، لقد راجعت الطبيب اليوم، إنه بخير، أنا بشهري الثامن الآن، لم يبقى سوى شهر وترى الطفل بإذن الله. - اهتمي بنفسك أيضاً. - حسناً، هل هناك أمر آخر؟. - لا، أردت إخبارك بأني سأذهب إلى قرية الأنوار وسأغيب لعدة أسابيع، فإن احتجتِ لشيء فلا تترددي بطلبه من والدي. - لا بأس. - إلى اللقاء. أغلقت الهاتف وبقيت في مكاني أمام سيارتي بعض الوقت شارد الذهن، لم أصحو من غفلتي إلا عندما سمعت صوت حسام من خلفي قائلاً: هي، أي صديق أنت ؟، أكنت تنوي الرحيل دون أن تودعني؟. - حسام.. آسف، إلى اللقاء. قلت ذلك ثم صعدت سيارتي فأطل حسام من نافذة السيارة قائلاً: ما الأمر، هل تحدثت مع زوجتك؟. - لم تعد ناهد زوجتي يا حسام. - حسناً، لكنك تحدثت إليها ذلك واضح عليك فأنت مكتئب. كم كان من الصعب علي أن أخفي مشاعري خاصة عن حسام، فقلت له: كنتُ مخطئاً يا حسام، لكنني لا أريد للطفل أن يتحمل نتيجة خطأي. - صحح خطأك، لم يفت الأوان بعد. - لا، هذا مستحيل، وعلى كل حال حين قلت بأني مخطئ لم أقصد بذلك انفصالي عنها بل ارتباطي بها. قلت له ذلك والمرارة واضحة بصوتي ثم ابتعدت بسيارتي عنه وأنا أشعر بالضيق. ****************** استأنفت طريقي بعد أن توقفت لأرى الأطفال الصغار يلعبون ويركضون هنا وهناك ، كنت أمشي بمحاذاة السياج وفي الطرف الآخر كان هناك عدد من الجياد وصبي يبدو وكأنه يحاول ترويض جواد أسود جميل ، وقفت برهة لأراه وهو يفعل ذلك ، لقد كان يحاول ركوب الجواد لكنه فشل بذلك إذ أن الجواد أسقطه من على ظهره، كانت سقطة مؤلمة فخشيت أن يكون الفتى قد تأذى فأسرعت إليه وسألته قائلاً: هل أنت بخير؟. فقال الفتى دون أن ينظر إلي: بخير!، خير لك أن تسألني إن كنت حياً أم ميتاً. - لا تبالغ بذلك أيها الفتى، كانت سقطة مؤلمة ولكنها لم تكن قاتلة. حينها نظر الفتى إلي وظل يتأملني باستغراب وقد خمنت أنه يراني شخص غريب عن هذه القرية ، لكنه أذهلني فعلاً حين اندفع قائلاً: أنت جواد أليس كذلك؟!. نظرت إليه باستغراب إذ كيف لفتى غريب أقابله للمرة الأولى أن يتعرف علي فأكمل الفتى قائلاً: آه، واضح أنك لم تعرفني، يا لك من ابن خال، كيف لك ألا تتعرف على ابن عمتك. - ابن عمتي!، أتقصد أنك طارق. - أجل يا ابن الخال، أنا طارق، أنت لم تعرفني إذاً، كم هذا مؤسف جداً. قال ذلك بلهجة ساخرة مما أغاظني فقلت له : لا يمكنك أن تلومني فقد كنت في الخامسة حين رأيتك آخر مرة، على كل كيف حال السيد عادل الآن؟!، أخبرني أبي أنه اضطر للسفر إلى باريس للعلاج. - لقد كبر في السن . - أعتقد هذا فوالدك يكبر أبي بخمس سنوات تقريباً وإن كان أبي يبدو كهلاً الآن فلا استغرب أن يكون حال والدك أسوء. صمتنا قليلاً وقد شعرت لحظتها بجو من التوتر والقلق، ثم قال لي طارق: أمي تنتظر مجيئك بفارغ الصبر ، توقعنا أن تأتي بسيارتك فهذا ما قاله خالي في رسالته . - لقد أتيت بالسيارة لكن الطريق وعر جداً هنا ويصعب علي العبور منها بالسيارة لذا تركتها في مرآب قريب من هنا وأتيت سيراً. - الطرقات وعرة فعلاً هنا . ثم قال لي مبتسماً بخبث: شاب وسيم ، شعره أسود كسواد الليل وله شارب منسق الشكل وعيناه مائلتين للأزرق الغامق وهو طويل القامة. نظرت إليه بدهشة فقال لي وقد بدأ بالضحك: كيف تعتقد أنني تعرفت إليك؟!. قلت له بدهشة : أكنت تصفني؟، هل هناك من أخبرك بهذه المواصفات ، أهي عمتي أم هو أبي؟!. - لقد ذكر والدك مواصفاتك برسالته. قلت له وقد خاب أملي به: اعتقدت أنك تملك ذاكرة قوية. - لا يمكنك أن تلومني فلم أكن سوى طفل في الخامسة، وإن كنت ستلومني، فسألومك أنا أيضاً وموقفي سيكون أقوى. قال ذلك ثم ضحك بمرح مما جعلني أشاركه بالضحك، وبما أنه قام بوصفي لذا أشعر بأن علي أن أصفه هو الآخر، طارق فتى في السابعة عشر من العمر وهو فتى بدين بعض الشيء يشبه بذلك والده السيد عادل، لديه عينان عسليتان وشعر بني غامق ، وصوته رقيق بعض الشيء، قال لي بصوته العذب: هيا إلى المنزل ، لابد أن أمي تنتظرك بفارغ الصبر، لم تغب عن بالها لحظة واحدة، كانت دوماً تحدثني عنك، حتى كدت أن تكون أسطورة. - كم أنا مشتاق لعمتي الحبيبة. - إذن هيا بنا. ****************** - وهل ينسى المرء نفسه؟. - إنها أمور تحدث بالحياة فلا تحملها فوق ما تستحق. - لكن طفلي يستحق كل اهتمامي يا عمتي. - مثل هذه الأمور تحدث في هذه الحياة .. ابنك سيكون على خير ما يرام بما أنكما متفاهمان بخصوصه. - لا اعتقد أننا كذلك أبداً. - جواد !، لم لا تعود إليها. - ليس ذلك بيدي، أنا مستعد للتضحية بحياتي من أجل طفلي، أما هي .. لديها وجهت نظر أخرى فهي تعتقد بأنه سيعاني معنا كما أنها.. - ماذا؟!. - لا شيء، لكن لا اعتقد أننا سنتفق. - على كل حال لست أول ولا آخر شخص ينفصل عن زوجته وهو على وشك أن يرزق بطفل، لا تحمل الأمر فوق ما يستحق يا بني، والدك أيضاً انفصل عن زوجته قبل أن تخرج أنت إلى هذه الحياة وكما أرى فأنت على خير ما يرام ولم تتأثر بذلك. نظرت إليها وهي تخرج من الغرفة، ليتها تعلم أن ذلك هو السبب الوحيد لمعاناتي ، لا أريد لابني أن يعاني مثلي، لا أريده أن يعيش بعيداً عن أحد أبويه ، لقد عانيتُ كثيراً بسبب بعدي عن أمي، لقد كانت عمتي لطيفة وقد ملأت الفراغ الذي خلّفه غياب أمي، لكن حين انتقلت للعيش مع أبي مررت بظروف قاهرة، لقد حاول أبي أن يعوضني عن أمي، لكن لا شيء يعوض عن حنان الأم ، مررت بلحظات كنت فيها بأمس الحاجة لأمي، لا أريد أن يحدث ذلك لطفلي القادم ، لكن .. ماذا بوسعي فعله ؟ ، رددت هذه الكلمات بينما غلبني النعاس ونمت نوماً طويلاً.
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
كانت الشمس قد غربت حين فتحت عيني، وقد عم الظلام في الغرفة، فنهضت وأشعلت المصباح، ثم فتحت النافذة ، لقد كنت في الطابق العلوي للمنزل ومن هنا أستطيع رؤية مزرعة زوج عمتي و القرية الصغيرة رغم أنها لم تكن واضحة بسبب ظلمة الليل، حين داعب نسيم الهواء الخفيف خصلات شعري تذكرت ناهد وهي تحثني على تقصير شعري فقد كان طوله يزعجها، كانت تقول لي: جواد ، أنت أقرب إلى الفتاة منه إلى الرجل، اذهب للحلاق ليجعل منك رجلاً.
حين تذكرت ذلك ضحكت من أعماق قلبي، وبينما أنا كذلك دخل علي طارق وظل ينظر إلى باستغراب ثم قال لي : هل أنت بخير؟!. - بخير! ، بكل تأكيد. - اعتقدت بأنك قد فقدت عقلك. قال ذلك وهو يبتسم بسخرية وقد ضايقني ذلك فقلت له: ألم ترى شخصاً سعيداً بحياتك. - سعيداً .. بكل تأكيد، لكن مجنوناً! ...لم يحالفني الحظ لذلك، لكني سعيد برؤيته الآن. عندها حملت وسادتي ورميته على طارق الذي أغلق الباب في الوقت المناسب فاصطدمت الوسادة بالباب، ثم فتح الباب ثانية قائلاً: أوه يا ابن الخال، كم أنت عصبي!، هيا العشاء قد أعد، انزل قبل أن يزداد جنونك!. قال ذلك ثم ضحك وهو يغلق الباب ، إنه شاب مرح حقاً ربما افتقدت في حياتي في المدينة لبعض المرح، ذهبت واغتسلت ثم قضيت الصلوات التي فوتها، ثم نزلت إلى غرفة الطعام حيث كان طارق ووالديه ينتظرون مجيئي وقد حياني السيد عادل بحرارة ومودة، كان هناك شبه بين السيد عادل وابنه فقد كان السيد عادل ممتلئ الجسم وله عينان عسليتان وشعر بني غامق وقد كان طويلاً وكتفاه عريضتين، وبينما كنا نتناول العشاء قال لي السيد عادل: أخبرني يا جواد، لماذا تراجعت عن فكرت أن تصبح طياراً ؟!. نظرت إليه بريبة ثم نظرت لعمتي فحركت رأسها قائلة : اطمئن، لا أحد يعرف ذلك سواي وزوجي. ألتفت إلى طارق الذي كان يأكل بشراهة فقالت لي عمتي: لم نخبره بذلك. فقال طارق وقد انتبه للحديث الذي يدور بيننا: إنهما يخفيان عني كثيراً من الأسرار، خاصة التي تتعلق بك، لكن ذلك لا يهم أبداً . قال ذلك والانزعاج واضح بصوته فقلت له مبتسماً: أنت صبي مهذب جداً يا طارق ، وهذا يعجبني!. يبدو أن إطرائي له قد أعجبه فابتسم بسعادة ثم أكمل تناول طعامه فيما أجبت أنا عن سؤال السيد عادل قائلاً: لقد تعرضت لحادث انفجار الطائرة التي كنت أقودها خلال التدريب فتعرضت لإصابات بليغة، وقد أمرني أبي أن أتخلى عن فكرت الطيران ثانية، وأنت تعرف أبي جيداً يا سيد عادل ، لم يكن بإمكاني مخالفته. - لم نعلم بالحادث الذي تعرضت له، متى حدث ذلك؟!. - لقد منعت أبي من إعلامكم، لم أرد أن أسبب القلق لعمتي. قلت ذلك وأنا انظر لعمتي التي ابتسمت لي بمودة ثم تابعت قائلاً: إن كان الأمر متعلق بالأمن فالمهنة التي أمارسها الآن أكثر أمناً، أما من ناحية أخرى فأنا أفضل المهنة التي طالما جذبتني، لكن لا فائدة من ذلك الآن. عندها ابتسم السيد عادل بأسى قائلاً: أحياناً تضطر لممارسة مهنة لا تحبها بسبب الظروف، وليس عليك بالتشكي ، كل ما عليك فعله هو محاولة أن تكون مخلصاً بعملك . نظرت إليه بشفقة فأنا أعلم أنه يكره مهنة المحاسبة ، وأنا لا ألومه فهي ترهق الأعصاب بشكل كبير ، بينما علقت عمتي على ذلك قائلة: هكذا هي الحياة . وبهذه العبارة صمتنا جميعاً وتناولنا طعامنا بهدوء. ****************** وبعد أن انتهينا من تناول العشاء ساعدنا أنا وطارق عمتي في غسل الصحون، بينما ذهب السيد عادل ليرتاح في غرفته بعد يوم شاق من العمل، وبعد أن انتهينا من غسل الصحون، اقترح علي طارق أن أرافقه لرؤية الجواد شهاب -كما يسميه- فوافقت على ذلك، وخلال الطريق سألته قائلاً: شهاب!، أهو ذلك الجواد الذي أسقطك من فوق ظهره؟!. تجهم وجه طارق وهو يتذكر سقطته ثم قال لي باستياء: أنه برّي ، يصعب علي ترويضه وأبي مشغول جداً هذه الأيام كما أنه كبر على ذلك، ربما سنضطر لبيعه في نهاية المطاف. - لا تيأس يا عزيزي ، قد نتمكن من ترويضه. - هذا ممكن جداً إن تكرم علي رامي بذلك. - رامي !، ومن يكون؟!. - إنه أوسم فتى في هذه القرية، يجيد التعامل مع الحيوانات وخاصة الجياد، كم أكره تعجرفه. قال ذلك والانفعال واضح عليه فقلت له: أيزعجك لهذه الدرجة!. - بما أننا بنفس العمر تقريباً يحاول أن يبدو لطيفاً معي وقد حاول مصاحبتي، لكنني لا أحبه. - لم لا؟!. - لأنه .. لا أدري .. لا أحبه وكفى. بدا لي أنه يكره رامي لأنه أفضل منه، لكنني لم أقل له ذلك خشية أن يتضايق من كلامي، اكتفيت بالقول له: سأحاول ترويضه، قد أنجح بذلك. عندها ولشدة دهشتي انفجر طارق بالضحك فنظرت إليه باستغراب، وقد بدأت أتضايق من أسلوبه السخيف فصرخت به قائلاً: كف عن الضحك يا فتى. - أوه، أنت ستروض الجواد يا " جواد". ذكر اسمي بطريقة مزعجة فصرخت به قائلاً: وماذا في ذلك؟!. عندها هدأ طارق ثم قال لي : لا تمزح يا جواد ، لقد أخبرتني أمي كيف تعلقت بالفرس وأنت تصرخ طالباً النجدة في زيارتك الأخيرة. تذكرت ذلك اليوم، فقد عرض علي أحد الفتية ركوب الجواد وقد شعرت بالخجل من رفض طلبه اللطيف فقبلت عرضه رغم أنني لم أركب جواداً من قبل، وما إن امتطيته حتى بدأ يجري ولم أعرف ما كان علي فعله ، كل ما فعلته هو أنني تعلقت بالجواد وبدأت أصرخ طالباً النجدة، و أكثر ما يخجلني من ذلك هو أن الجواد كان مدرباً وقد توقف من تلقاء نفسه بعد أن دار حول السياج، تذكرت ذلك وقد أحمرت وجنتاي من الخجل بينما كان طارق ينظر إلى وهو يبتسم فقلت له متحدياً : حسناً ، سأريك. أسرعت بخطواتي إلى الأمام وأنا مصر على رد اعتباري بينما كان طارق يلحق بي محاولاً ردعي قائلاً: لا تكن غبياً.. إنه جواد بري عنيد.. لن تستطيع فعل ذلك .. جواد انتظر توقف أرجوك .. ستغضب مني أمي إن أصابك مكروه وستلقي باللوم علي .. أنا أتوسل إليك ألا تفعل ذلك . ورغم كل محاولات طارق إلا أنني لم أغير قراري، وحين وصلت إلى المكان الذي التقيت به بطارق وجدت المكان خالياً وهادئاً ، ثم رأيت الإسطبل على بعد بسيط من هناك، فاتجهت إليه وتبعني طارق بعد أن يأس من إقناعي وكان يتمتم قائلاً : لا شأن لي بك، لا تقل بأني لم أحذرك. وحين اقتربنا من الإسطبل رأينا ضوءاً خافتاً ينبعث منه فقال طارق باستغراب: أنا متأكد من أني أغلقت المصباح والباب أيضاً. عندها سمعت صوت ينبعث منها فأمسكت بيد طارق واختبأنا حيث يمكننا رؤية الإسطبل دون أن يرانا من في داخلها، عندها خرج من الإسطبل مجموعة من الرجال بدوا وكأنهم يغطون وجوهم بقطعة قماش وكان من الصعب رؤيتهم جيداً في الليل وقد أراد طارق قول شيء فأسكته بإشارة من يدي حتى غادر الرجال ، بعدها طلبت من طارق أن يبقى في مكانه لكن ذلك الشاب أعند من أن يسمع كلامي فخطينا بخطى خفيفة إلى الإسطبل وقد أطليت برأسي من نافذة الإسطبل للتأكد إن كان هناك أحد بالداخل، وحين شعرت بخلو المكان دخلت إلى الإسطبل وتبعني طارق، وسرعان ما بدأت بالبحث بخفة في ذلك الإسطبل لكنني لم أجد ما يثير الاهتمام ، كان الجو هادئاً هناك والجياد كانت هادئة أيضاً فقال لي طارق بصوت حذر: ما الذي تفعله؟!. اندفعت نحو طارق فجأة وسألته قائلاً: هل تعرفت على أي من الرجال الملثمين. بدا وكأنني أفزعته فهدأت وأعدت عليه سؤالي بهدوء فحرك رأسه نفياً قائلاً: الظلام كان شديداً ولم استطع رؤيتهم جيداً، لكن ما الذي كان يفعلونه هنا في إسطبل أبي؟!. أجبته وعينيّ تحدق بشيء ما يلمع على الأرض: كانوا يفعلون شيء ما بالتأكيد. ثم انحنيت والتقطت ذلك الشيء، لم يكن سوى قطعة نقدية ، لكنني وضعتها بجيبي ثم أعدت البحث ثانية آملاً بأن أجد شيئاً يلفت الانتباه وحين أدركت بأني لن أعثر على أي شيء قلت لطارق: لنعد إلى المنزل. - أجل . طوال طريق العودة كنت صامتاً وكذلك كان طارق وقد لمحته وهو ينظر إلي بشك وفضول، لكني لم اهتم بأن أفسر له أي شيء، وحين وصلنا للمنزل صعدت إلى غرفتي من فوري، وأمسكت هاتفي الخلوي واتصلت بهاني وأخبرته بما رأيت فقال لي: سأذهب إلى هناك لأتحقق من الأمر، الأفضل أن أفعل ذلك الآن كي لا يراني أحد، لا أريدهم أن يعلموا أننا نشك بمكان مخبئهم، أما أنت يا جواد نم وانسَ الأمر وتصرف غداً بطريقة طبيعية، طابت ليلتك. لكنني لم استطع النوم بل بقيت مستيقظاً طوال الليل تقريباً وأنا أحاول أن أتذكر أدق التفاصيل عن شكل الملثمين دون أن أصل لنتيجة. |
|
#3
|
||||
|
||||
|
أغمضت عيني للحظات فقط ثم سمعت صوت رنين هاتفي ففتحت عيني ونظرت إلى شاشة الهاتف فرأيت رسالة تقول "استيقظ أيها الكسول" ثم نظرت إلى الساعة إنها الرابعة والنصف، عندها تذكرتُ ناهد وهي تأخذ هاتفي وتضبط ساعة الهاتف لترن كل يوم في الساعة الرابعة والنصف صباحاً قائلةً : هذا قد يفيدك أيها الكسول، أنت تحتاج لدرس كي تكبر وتتأدب.
تذكرت ذلك ثم نهضت واغتسلت، ثم نزلت حيث قابلت طارق الذي بدا أنه قادم لإيقاظي فقلت له:صباح الخير يا طارق. - صباح النور يا ابن الخال، أبي ينتظرنا في الخارج لنذهب إلى المسجد معاً ، هيا. - أجل. اتجهنا إلى مسجد القرية وبما أنه يوجد مسجد واحد فقط في القرية توقعت أن يكون ممتلئاً لكنني فوجئت حين رأيت أن عددهم لا يزيد عن عشرين شخص فقال لي السيد عادل و قد لاحظ استغرابي : نحن في قرية صغيرة يا بني وعددنا هنا قليل جداً فأغلب الأهالي ارتحلوا إلى المدن . وبعد أن أدينا صلاتنا أخذني السيد عادل وعرفني على الإمام قائلاً: أعرفك على السيد حامد ، سيد حامد هذا هو جواد ابن شقيق زوجتي لعلك تتذكره. - آه .. أجل ، ذلك الصبي الصغير ، لقد كبرت بسرعة يا عزيزي. قلت له وأنا أصافحه : سررت برؤيتك ثانية يا سيدي . عندها اقترب منا رجل كهل وهو يتكئ على العصا في سيره وقد قال وهو يربت على يدي: أجل، لقد كبرت بسرعة يا جواد ، هل تتذكرني؟. نظرت له للحظات، إنه الجد كامل، اعتدت على مناداته بجدي، وكذلك كان يفعل كل أطفال القرية فقد كان يلاعبنا ويغمرنا بعطفه فقلت له وأنا أمسك يده بحرارة:بكل تأكيد يا جدي ... أنا سعيد برؤيتك ثانية، أنا سعيد فعلاً. - آه يا بني لقد جعلتنا نشتاق لك كثيراً . - وأنا اشتقت لكم أيضاً أيها الجد العزيز. وسرعان ما انضم إلينا ثلاثة رجال آخرين، عرفني السيد عادل على شاب في الثلاثين من عمره وهو أسود الشعر وعيناه سوداوان وهو طويل القامة قائلاً : هذا هو السيد مازن وهو محامي. صافحني السيد مازن وهو يبتسم لي، لم يكن السيد مازن موجوداً في آخر زيارة لي، لا بد أنه قدم إلى هنا بعد رحيلي، ثم عرفني السيد عادل على رجل في متوسط العمر وقد غزى الشيب شعره الأسود وهو ضخم البنية بدا لي شخصاً مخيفاً ولو كان من شأني أن أحكم عليه لقلت بأنه مجرم محترف ،قال لي السيد عادل: هذا هو السيد فواز وهو والد زوجة السيد مازن. صافحني الأخير بقبضته القوية وأخيراً عرفني على شاب في العشرين من عمره رغم أنه بدا شاحباً جداً وبدا أنه أكبر من عمره عشر سنوات، عرفني عليه بكونه السيد ماجد سكرتير السيد مازن وحين صافحته شعرت بارتباكه فقد كانت يداه ترتجفان، فقلت له:سررت بالتعرف عليك. فقال لي مازن: يسعدني رؤية شاب في نفس عمرنا هنا في هذه البقعة المهملة من العالم. كان من واضح أن السيد عادل والسيد حامد قد تضايقا من هذا الوصف، فقلت لمازن: وما الذي جاء بك إلى هنا يا سيد مازن. - أوه يمكنك مناداتي باسمي فقط، لقد جئت من أجل العمل بالإضافة إلى أن زوجتي حامل وهي تحتاج للهدوء والهواء نقي وهذا هو انسب مكان حسب علمي. عندها شردت قليلاً بالتفكير وقد لاحظ مازن ذلك فقال لي: ما الأمر؟!. - لا ... لا شيء. - أخبرني هل أنت متزوج؟. حدقتُ به باستغراب فقال لي: بدا عليك الشرود حين ذكرت لك أن زوجتي حامل!. - أجل ... أو لنقل أنني كنت كذلك؟. - عفواً. - لقد انفصلت عنها ... إنها حامل الآن بابن مني. - فهمت . قال ذلك ولم يضف أي كلمة أخرى، فقال ماجد محدثاً مازن: أستأذنك بالانصراف. - يمكنك ذلك. وبعد ذهاب ماجد قلت لمازن: يبدو متعباً، أهو مريض؟!. - لا أعلم ، لقد لاحظت أنه متوعك منذ عدت أيام لكنه يرفض إخباري بأي شيء. - هل قدم معك من المدينة؟. - أجل ، أخبرته بأنني سأضطر للذهاب إلى القرية فعرض علي مرافقتي. - منذ متى وهو على هذا الحال؟. - منذ متى؟!، دعني أتذكر .. اعتقد أنه كذلك منذ أكثر من أسبوعين . - فهمت. قلت ذلك وأنا أتذكر المعلومات التي وردت في الملف، فقد بدأ المخدرات بالانتشار في القرية منذ أكثر من أسبوعين، عندها قاطع مازن تأملي قائلاً: أين شردت؟! .. لم أنت مهتم لأمره؟. - ليس هناك سبب وجيه، فقط .. وجدته شخص يثير الشفقة. عندها تكلم السيد فواز بصوته الخشن: اعتقد أن ماجد آخر من يستحق الشفقة. بدا لي أن السيد فواز لا يحب سكرتير زوج ابنته ، وحين كان مازن يريد أن يسترسل معي بالحديث أمسك طارق بيدي قائلاً: لنذهب إلى شهاب يا ابن الخال لا بد أنك تريد رؤيته عن قرب. - لا بأس . عندها قال مازن بمرح: رائع ، يمكنني مرافقتكما أليس كذلك ؟!. فقلت له: بكل تأكيد. لكني لا اعتقد أن طارق كان سعيداً بهذا المرافق . اتجهنا نحن الثلاثة إلى المزرعة بينما عاد السيد عادل إلى منزله ليستعد للذهاب إلى عمله وكذلك فعل البقية، حين اقتربنا من المزرعة رأيت من بعيد فتى أشقر الشعر يمسك بالجواد الأسود الخاص بطارق و بدا أنه يحاول امتطائه، لكن الجواد رماه كما رمى طارق من قبله، فأسرعنا نحن الثلاثة إليه وقال له طارق بلهجة عدائي: ما الذي تفعله هنا يا رامي؟، ومن سمح لك بإخراج شهاب؟!. نهض الفتى وبات باستطاعتي رؤيته بوضوح، لقد كان بالفعل كما وصفه طارق، شاب وسيم جداً، بدا لي أنه أجنبي فشعره أشقر وعيناه زرقاوان، ولا استغرب بأنه بهذه الدرجة من الوسامة، عندها رد الفتى على طارق قائلاً: أنا آسف يا طارق، لكني رغبت برؤية الحصان الجديد، وقد حاولت ترويضه لكنه عنيد فعلاً. عندها تجاوزتهما متجهاً نحو الحصان، وحين وقفتُ بالقرب منه أمسكت به وبدأت بتمرير يدي على شعر الحصان، لقد بدا لي حصاناً رائعاً، لقد أحببت هذا الجواد فعلاً، عندها اقترب مني رامي وقال لي: إنه رائع. - أجل ، ومميزٌ أيضاً!. - لكنه يصبح متوحشاً عندما نسعى لامتطائه. - لا اعتقد هذا ..كل ما في الأمر أنه يريد أن يكون حراً. - حقا!. لقد كانت لهجته طفولية فحدقتُ به بفضول، إنه شاب وسيم لكن هناك شيء ما، شيء لم أعرف وقتها ما هو، كل ما شعرت به هو أن هذا الشاب مألوف لدي!، كنت أتأمل رامي حين رن هاتفي المحمول، إنها رسالة وقد كانت تقول " لا شيء جديد ، كل شيء بدا طبيعياً " لقد كانت من هاني، يبدو أنه لم يعثر على شيء في الإسطبل، عندها قال لي مازن: ما الأمر؟!. - لا شيء ، علينا العودة فقد حان موعد الإفطار. عندها انسحب رامي وهو يقول : آسف يا طارق على الإزعاج . ثم تبعه مازن قائلاً: أراك فيما بعد يا جواد، لقد أسعدتني صحبتك. وبعد أن غاب الاثنان عن ناظري قال لي طارق بشكل مفاجئ: ما هو السبب الحقيقي في قدومك؟. - عفواً. - لماذا أتيت إلى هنا؟. - لزيارة عمتي، هل يزعجك ذلك؟!. - أهذا كل ما في الأمر؟!. - لا . عندها نظر إلي طارق بجدية فأكملتُ قائلاً: لقد جئت إلى هنا هرباً من مشكلاتي في المدينة . - أهذا كل في الأمر. - بكل تأكيد . ظل طارق يتأملني بريبة فترة من الوقت ثم قال لي: وما الذي كنت تفعله بالأمس؟. - ما كنت أنت ستفعله لو كنت مكاني. - ماذا تقصد؟!. - لقد دخل مجموعة من الرجال إلى إسطبل زوج عمتي وقد خمنت أن لديهم أمر ما يريدون إخفاءه، وإلا لما دخلوا إلى الإسطبل في الليل وهم ملثمين. - أنت محق ، ترى من كانوا؟. - ليس من الصعب التعرف عليهم بهذه القرية الصغيرة. - ربما تكون محقاً، لكني لم استطع رؤيتهم جيداً، حتى أنني لا أعرف كم كانوا. - لقد كانوا خمسة رجال . - خمسة من بين أكثر من عشرين رجل، كيف سنتعرف عليهم. قلت له (مبتسماً) : لا اعتقد أنه كصعوبة البحث عنهم من بين آلاف الأشخاص. عندها ابتسم لي طارق قائلاً: اعتقد أننا محظوظين من هذه الناحية أكثر من سكان المدينة. - أنت محق، لنذهب لتناول الإفطار ثم نأخذ معاً جولة بالقرية للبحث عن المشبوه بهم. ****************** بعد أن تناولنا إفطارنا أخذنا جولة في أرجاء القرية تماماً كما خططنا، وقد كان طارق يعرّفني على كل من يمر بجانبنا ويصفه لي وصفاً دقيقاً، وبينما نحن كذلك مررنا بجانب عيادة الطبيب، فقال طارق: هذه عيادة الطبيب بسام، إنه ماهر جداً وهو في الخمسين من العمر ومع هذا يبدو وكأنه في الثلاثينات، إنه ماهر جداً و لديه ابنة في التاسعة عشر من العمر، قيل لي أنها أجمل فتيات القرية، وهي مخطوبة، خطيبها يعمل هنا بنفس العيادة كمساعد للسيد بسام واسمه جاسم، وإن أردت رأيي به فأنا أرآه شخصاً لا يطاق، كما أنه لا يملك أي ذرّة من الوسامة ... أستغرب قبولها له كزوج . - لا تحكم على الآخرين من المظاهر يا طارق ، لا بد أنه شخص رائع . - لا اعتقد هذا أبداً . - دعك من هذا الحديث ولندخل إلى العيادة. - وهل أنت مريض. - لا ... لكنني أعرف السيد بسام حق المعرفة، لقد كنت أتردد على منزله في صباي، أريد أن أحييه. حين دخلنا العيادة استقبلنا شاب في العشرين، بدا بمثل سني تماماً، وقد وجدت أن طارق بالغ فيما قاله، صحيح أن الشاب ليس وسيماً لكنه كان ذا شخصية مميزة وقد لاحظت ذلك من أسلوبه بالحديث معنا، وقد كان هناك شيء ما بنظرته، أعتقد بأنها نظرة ساحرة بالنسبة للفتيات، لقد اعتقد جاسم بأنني مريض فأبعدت تلك فكره عن رأسه قائلاً: لست مريضاً، لقد جئت لرؤية الدكتور بسام، لقد قدمت من المدينة بعد غياب طويل فأحببت إلقاء التحية عليه. - فهمت ... إذن أنت هو السيد جواد. - أجل. - لقد حدثني الدكتور عنك، كنت صديقاً لابنته في صغرها. لقد أحسست بعدم الارتياح من نظراته لي فسارعت بالرد عليه قائلاً : لقد كنت صديقاً لجميع الأطفال في القرية، الأطفال لا يفكرون سوى باللعب وهذا كل ما كان يشغل بالي حين كنت طفلاً، كلنا كنا أطفالاً ذات يوم أليس كذلك يا سيد جاسم؟. - أوه أجل .. بكل تأكيد، تفضل معي لتقابل الدكتور. تبعته في حين همس لي طارق قائلاً : إنه غيورٌ جداً على خطيبته، كاد أن يأكلك بلحمك وعظمك لمجرد أنك كنت تلعب معها حين كنت صغيراً . - اصمت يا طارق. وحين دخلنا مكتب الدكتور بسام وجدناه وهو يراجع سجل أحد المرضى وحين رآني نهض من مكانه وقال لي: تبدو شاحباً، أي نوع من الأدوية تتناولها أنت الآخر. قال ذلك والسأم واضح بكلامه، فأخبره جاسم باسمي وأخبره عن سبب قدومي وحين استوعب الدكتور ذلك عانقني بحرارة قائلاً: جواد، كيف حالك ؟!، مضى مدة طويلة، آسف يا بني إذ أنني لم أتذكرك. لم يتذكرني! .. لكن شكلي لم يتغير كثيراً !، مضى أربع سنوات على لقاءي الأخير به، فهو الوحيد الذي رآني في زيارتي الأخيرة للقرية، أكمل قائلاً: لقد أرهقني العمل المستمر خاصة هذه الأيام، يأتي إليك الكثير من الشباب وقد امتلأ جسده بتلك السموم، ثم يطلب منك علاجه ، أخبرني كيف لي أن أفعل ذلك، ألم يفكروا بهذه المعاناة قبل أن يتناولوا تلك السموم. قلت له وأنا أحدق به باهتمام: هل عدد المتعاطين كبير؟!. عندها حرك رأسه بأسف قائلاً: لا يأتي إلي أي واحد منهم فهم لن يعلنوا لي أنهم يتعاطونه، وحتى إن فكروا بالمجيء فهم يدّعون أنهم يتناولون دواء مفيد، حين رأيت وجهك الشاحب اعتقدت بأنك واحد منهم. عندها تحدث طارق قائلاً: إنه قلق، ويبدو أنه لا ينام الليل أبداً بسبب مشكلته مع زوجته. لقد أغضبني تدخل طارق بمشكلتي، فلم أعي إلا وأنا أصرخ به قائلاً: الأفضل ألا تتدخل بشؤوني أيها الفتى، هل تفهم هذا؟. تضايق طارق كثيراً من ذلك فغادر العيادة دون أن يلفظ بأي كلمة، بينما قال لي الدكتور: هدئ من روعك يا عزيزي، لم يقل الصبي ما يستحق غضبك. رفعتُ ناظري إليه دون أن أعلق على ما حدث ثم استأذنت وغادرت العيادة، طارق لم يقل ما يستحق غضبي فعلاً، لكن أعصابي مرهقة وأتفه الأمور باتت تغضبني خاصة عندما يتعلق الأمر بناهد، والدكتور بسام! ... لقد أحيا لقاءي به ذكريات أملتُ لو نسيتها، يبدو أنني أحتاج إلى فترة طويلة جداً كي أشفى من هول الصدمة ... أطول مما تخيلت!. |
|
#4
|
||||
|
||||
|
مشيت على غير هدى في القرية وأنا ألوم نفسي ، فكم كنت سخيفاً لأغضب من تلك الكلمات التي خرجت من فم طارق بشكل عفوي، وفيما كنت على ذلك الحال مررت بالقرب من مبنى المحامي والمستشار القانوني وقد كتب عليه اسم المحامي مازن فدخلت عليه، فوجدت ماجد سكرتير مازن جالساً على المكتب وهو مشغول بكتابة شيء ما على الحاسب الآلي وحين رآني توقف عن الكتابة وقال لي : سيد جواد، أهلاً بك، السيد مازن خارج المكتب حالياً، لقد ذهب لزيارة أحد موكليه، لكنه سيعود بعد لحظات يمكنك انتظاره إن شئت ذلك.
- شكراً لك، تبدو أفضل حالاً الآن يا سيد ماجد ، لقد بدوت مرهقاً هذا الصباح. - كان مجرد صداع خفيف وقد زال يا سيدي. - هل ذهبت للطبيب؟. - لا يا سيدي، لقد أعطاني السيد مازن كالمعتاد حبوب للصداع، وقد نفعني ذلك . - المهم أنك تشعر بتحسن الآن ، أليس كذلك؟. - أجل. بدا لي مضطرباً وهو يجيب علي، تماماً كالمجرم الذي يحاول إخفاء جريمته، تساءلت لحظتها إن كان هذا الشاب قد تورط هو الآخر بتلك السموم، فسألته قائلاً: هل تجد الحياة رائعة هنا يا سيد ماجد؟. - يمكنك مناداتي باسمي ... لا بأس بالحياة هنا. - وماذا عن عملك مع مازن؟. - السيد مازن شخص مرح ورائع، والعمل معه أمر رائع. لقد اختفى ارتباكه وبدا أكثر حيوية وهو يجيبني عن ذلك، من الواضح أنه سعيد فعلاً بالعمل مع مازن، تابعت الحديث معه بشأن مازن وقد استغرق الرجل في مدح سيده بكل حيوية ولم يعد مرتبكاً، وبعد فترة قصيرة دخل مازن وقد حياني بمودة حين رآني، ثم اقترح علي تناول الغداء في منزله لكني اعتذرت له قائلاً: لا بد أن عمتي قد أعدت لي غداءً مميزاً، لا أريد أن أخيب أملها. - إن كان الأمر كذلك فلا بأس، لكنك ستتناول الطعام في منزلي في المرة القادمة. وبتلك العبارة خرجت من مكتب مازن واتجهت نحو منزل عمتي، وحين دخلت المنزل رأيت طارق وهو يعد المائدة فاتجهت إليه وحاولت مساعدته لكنه منعني قائلاً: أنت ضيف علينا، عليك الأمر وعلينا التنفيذ، تفضل بالجلوس، الغداء سيعد بعد قليل . - طارق، أنا آسف. لكنه لم يلتفت إلي بل تابع عمله، فقلت له: اعذرني، أعصابي مرهقة جداً، لذا.. آسف. - لم يكن الأمر مهماً. - بل هو مهم، طارق ألن تغفر لابن خالك. عندها نظر طارق إلي ثم قال لي بغضب: إن كنت متضايق منها فلماذا تلقي بغضبك علي، لم أقل شيئاً يستحق منك أن تصرخ بي أمام ذلك المغرور جاسم . كان علي أن أدرك أن كرامة الفتى قد جرحت بسبب وجود جاسم ، أستغرب أي نوع من الفتية هذا الفتى ، إنه يكره أي شخص لمجرد أنه يريد ذلك، فقلت له محاولاً مراضاته: أنا آسف، لن أكرر ذلك ثانية أعدك، ألا تزال غاضباً. عندها نظر إلي ثم قال: لا، لقد نسيت ذلك. عندها جلستُ على الكرسي وقلت: إذن أسرع في إعداد الطعام فأنا جائع. فرمى علي طارق منشفة وقال لي بلهجة آمرة: نظف الطاولة . - ألم تقل أنني الضيف وعلي الأمر وعليك التنفيذ. - لا اذكر أنني قلت ذلك. قال ذلك ثم غادر المكان وهو يصرخ قائلاً: هيا أسرع. إنه فتى رائع .. كم أحبه!. ***************** تناولتُ الغداء بشهية، مضت مدة طويلة على آخر مرة استمتعت به بتناول الغداء، غدوت أكثر ابتهاجاً وقد علق طارق على ذلك قائلاً: الشاب الشاحب شحوب الموتى بات مليئاً بالحياة الآن. اكتفيت بالابتسامة له، أعلم أني لن أحقق أي شيء مع الحزن والاكتئاب، الحياة ستستمر، ناهد سترتبط بشخص آخر بعد الولادة، ليس هناك أي أمل بعودتي لها، احتفظت بتلك الحقيقة لنفسي ولم أخبر والدي به، وكلما حدثني والدي بشأن عودتي لها اعتصر قلبي حزناً، أنا أيضاً أريد ذلك لكن .. ليس الأمر بيدي، ويبدو أنه قد كُتب لابني أن يعاني مثلما عانيت، لكن .. لا، لن أجعله يشعر بذلك يوماً، يجب أن أحاول، هناك حل ما، شيء قد يعوضه عما سيفقده، لكن .. كنت أفكر بذلك بعمق ولم انتبه إلى السيد عادل وهو يتحدث إلي فقلت له: عفواً، هل قلت شيئاً؟. - بما كنت شارداً. لم أجبه عن سؤاله بل سألته قائلاً: سيد عادل، ما هي أهمية وجود الأم في حياة الطفل؟. لقد كان سؤالي هذا سخيف جداً وحين أفكر به الآن أتسأل ما الذي خطر ببالي عندما سألته ذاك السؤال السخيف، لكنه ابتسم لي بعطف وأجابني بصوته الدافئ: هي الحياة بالنسبة له. - ألا يمكنه العيش من دونها؟. - أنت أعلم بالإجابة عن هذا السؤال مني. لقد كان محقاً، أنا أعلم بذلك، لكنني لسبب ما أجهله شعرت بأن أبي كان مخطئاً بطريقة ما، لم أعرف كيف يمكن ذلك، فأنا أعلم أن أمي هي من طلبت الانفصال عنه، وهو بذلك لا يختلف عني، لكنه أخطئ بطريقة ما، وأنا لا أريد أن أكرر خطأ والدي، كنت أردد ذلك لنفسي حين قالت لي عمتي: بني .. أنت أعلم بما عليك فعله، فلا تتردد في السعي لمصلحتك ومصلحة زوجتك وابنك. مصلحتي ومصلحة ناهد بالانفصال، فنحن لم نتفق يوماً، لكن هل في هذا مصلحة طفلنا، عندها قال طارق وكأنه أتى من عالم آخر: أبي، ماذا عن الشجرة؟! .. هل سنعمل عليها اليوم؟. - أجل .. عصر هذا اليوم، لا تتهرب كعادتك يا طارق. - أمرك. عندها سألتهما عن موضوع الشجرة فقال لي السيد عادل:إنها تلك الشجرة التي تقع عند مدخل المنزل، مكانها لا يعجبني، كما أنها تعيق السير، لذا سأنقلها لمكان آخر، كنا قد خططنا لذلك قبل مجيئك يا عزيزي. - وهل ستنقله لوحدك؟!. - أجل، أنا وطارق. - لكن.. لم لا تستدعي الرجال ليقوموا بذلك. - ولماذا ؟!، أنا قادر على فعل ذلك بنفسي، ليس هناك أي داعٍ لتبذير المال على شيء كهذا. السيد عادل رجل رائع شعاره بالحياة اقتصد وأفعل كل شيء بنفسك إن كنت قادراً على ذلك، كثير من الناس يشير إليه على أنه بخيل، لكنهم مخطئون، فمتى كان الاقتصاد بدل تبذير المال بخلاً، لم يكن السيد عادل ليتردد لحظة في تبذير المال لشراء احتياجات زوجته وابنه، إنه وعمتي سارة رائعين، لقد عانيا طويلاً بسبب العقم الذي كانت تعاني منه عمتي،لم يتخلى السيد عادل عنها ولم يفكر للحظة بالزواج ثانيةً، لقد صبر وصبرت وقد أنعم الله عليهما بطارق ابنهم الوحيد، اختلست النظر إلى طارق عبر الطاولة بهدوء فرأيته يقطع الخبز إلى فتات صغير دون أدنى داعٍ لذلك، كان يفعل ذلك وهو شارد، وقد بدا لي وهو على تلك الحالة أكبر من عمره بعشرة سنين وقد تساءلت عما يشغل فكره؟!. ***************** في عصر ذلك اليوم خرج السيد عادل وطارق ومعهما المعول وبعض الأدوات الأخرى وقد خرجت معهما لمساعدتهما رغم محاولة السيد عادل لمنعي، كان علينا أولاً أن نحفر حفرة في المكان الذي يريد وضع الشجرة بها، فبدأنا بالحفر، وقد كنا نتناوب على ذلك، لم يكن العمل سهلاً فالتراب لم يكن طرياً بالإضافة إلى الحجارة التي تعترض طريقنا، كان عملاً مجهداً وقد مضت مدة طويلة على آخر مرة بذلت فيها مثل هذا الجهد الكبير، استمررنا بالحفر لساعة كاملة، وبما أن الشجرة كبيرة توجب علينا التعمق في الحفر، وسرعان ما أعاقتنا صخرة كبيرة، هذا ما اعتقدته وأنا أحفر فقلت لطارق: عائق آخر. - سأحاول إخراجه. - لا، سأفعل ذلك بنفسي. نزلت بالحفرة وحاولت إزالة التراب عن الحجر، وقد فوجئت إذ أن الحجر الذي تصورته كان بالحقيقة صندوقاً صغيراً حديداً، وقد استغرب السيد عادل وطارق ذلك أيضاً، وسرعان ما قال طارق بمرح: لا بد أنه كنز، هيا أخرجه لنرى ما تحويه. رغم أن فكرة الكنز سخيفة وطفولية، رفعت الصندوق حيث امسكه طارق، ثم ساعدني على الخروج، لم يكن الصندوق مغلقاً ففتحته، لقد صدمت فعلاً لما رأيت، لقد كان الصندوق مليء بأكياس شفافة تحتوي على مادة بيضاء، إنها المخدرات، هنا وأمامي، وفي منزل عمتي، كان ذلك آخر ما كان يمكنني أن أفكر به . |
|
#5
|
||||
|
||||
|
كانت اللحظات التي تلت ذلك أصعب اللحظات بالنسبة لعمتي وعائلتها، فقد كانوا هم موضع الشبهة من قبل الشرطة، ولم ترحمهم ألسنت أهالي القرية، حين كان شرطي القرية يستجوب السيد عادل بفظاظة شعرت بأنني أكاد انفجر، أي عقل يملكه هذا الشرطي المتبجح، كيف يمكنه إدانة السيد عادل وهو الذي اتصل بهم ليبلغهم عن المخدرات، وحين قلت ذلك له نحاني بإشارة من يده قائلاً: لا تتدخل بعملي.
كل ما رغبت به بتلك اللحظة هو أن أغمر وجه ذلك المغرور بالتراب، لقد أغضبني إلى حد أنني كدت أفعلها فعلاً، ولحسن حظه وصل هاني ليحول بيني وبينه، وقد تراجع ذلك الشرطي ليمسك هاني زمام الأمور لذا اتجهت إليه لأتحدث معه لكنه هو الآخر نحاني جانباً وذهب للتحدث إلى السيد عادل، إذ قال له: أنت هو السيد عادل. - أجل سيدي. - حسناً سيدي، هلا أخبرتني وبالتفصيل كيف اكتشفت الصندوق. - لقد كنا - أنا وابني وابن شقيق زوجتي – نحفر لننقل الشجرة إلى هذا المكان. قال ذلك وهو يشير إلى الشجرة فقال هاني له: ولماذا أردتم نقل الشجرة؟. - فكرت أنها – وقد كبرت الآن – تعيق حركة السير. - أهي كذلك فعلاً!. لقد بدا أن الضابط هاني لم يقتنع بكلام السيد عادل، وما أن خليت به حتى قلت له: لا يمكنك أن تتهمه، إن كان هو صاحب الصندوق فلماذا اقترح الحفر بتلك البقعة بتحديد، ألا ترى معي أن ذلك لم يكن بمصلحته. - من هو صاحب الصندوق برأيك إذن؟. - لابد من أن هناك شخص ما أو عدت أشخاص قاموا بحفر حفرة هنا وخبئوا الصندوق على غفلة من السيد عادل وعائلته. - ودون أن ينتبهوا لذلك!، لم يكن من الصعب سماع صوت المعول. - لكنك ترى معي أنه لم يكن ليسعى لتوريط نفسه أليس كذلك؟. - ربما، لكن .. عندها صرخت به قائلاً: تباً، أنا لم آتي إلى هنا لأرى عائلتي تتهم بأبشع الأمور!،لا يمكنك اتهامه بذلك لمجرد أن الصندوق وجد في حدود منزله، ليس لديك الدليل الكافي. - أنت محق ... إلى الآن ليس لدي أي دليل، لكنني سأحصل عليه. قال ذلك بهدوء وثقة، أنا أعرف هاني حق المعرفة، لم يسبق أن وضع يده على قضية ما إلا وحقق فيها نجاحاً رائعاً، ترى هل يشك حقاً بالسيد عادل!، لكن ذلك سخيف، يمكن لأيٍ كان أن يحفر ويخبئ الصندوق في غياب العائلة عن المنزل، ليتني أفهم طريقة تفكير هاني، لكن.. مهما كانت أسبابه، أنا لا أصدق أبداً أن للسيد عادل علاقة بذلك. ***************** تابع هاني تحرياته، فيما اكتفيت أنا بمراقبته، علمت من خلال تحرياته أن السيد عادل اقترح نقل الشجرة تبعاً لنصيحة الدكتور بسام، أما بشأن المكان الذي حفرنا به كانت فكرة السيد عادل، وذلك كان من سوء حظه كما أرى، فهذه النقطة كانت ضده، كان هذا اليوم أسوء يوم في حياة هذه العائلة الصغيرة، لم يوجه هاني التهمة نحو السيد عادل علنياً لكن .. كل حركاته تدل على أنه يشك به، ليتني أعرف طريقة تفكيره، كيف للسيد عادل أن يقود نفسه إلى التهلكة؟! ... لقد كانت المهمة التي كلفت بها سخيفة في بادئ الأمر أما الآن.. إنها تعني لي الكثير، أنا أعرف السيد عادل حق المعرفة فهو لا يمكنه أن يفعل شيء كهذا وسأثبت لهم ذلك، وسأجعل ذلك الشخص الذي أتخذ من السيد عادل كبش فداء له يندم على اختياره، هذه القضية قضيتي، وإن كان هاني سيسعى لإثبات التهمة على السيد عادل فسأسعى دون حدوث ذلك، ذلك وعد قطعته على نفسي. ***************** بعد رحيل رجال الشرطة اجتمعت مع العائلة الصغيرة في غرفة الطعام، كان الصمت مخيم عليهم، وقد لفت انتباهي ارتباك طارق وانزعاجه الشديد، أما السيد عادل فقد كان هادئاً، وعمتي كانت تبدو شبه منهارة فمثل هذه المشاهد جديدة عليها، فقلت للسيد عادل: لماذا اخترت تلك البقعة بالتحديد لزرع الشجرة بها؟. - رأيت أنها انسب مكان. إن كان هاني ذكي كما سمعت عنه فلابد أنه لاحظ أن السيد عادل لم يكن صادقاً فيما يقوله، هناك أمر ما يحاول إخفاءه، لذا قلت له بجدية: سيدي، أعلم أنك تقود نفسك للمشنقة، لن يصعب على الضابط هاني أن يجد السبب الذي دعاك للحفر في مخبئ السم ... أرجوك ساعدني. - ليس لدي ما أقوله لك غير ما أخبرته للشرطة. - سيد عادل!. كدت أيأس من سحب الكلمات منه، لكن انهيار طارق جاء مفاجئاً إذ صرخ قائلاً: كف عن إخفاء ذلك يا أبي، أنا من اقترح الحفر بتلك البقعة، أنا وليس أبي. لا أعلم لماذا ... لكنني لم أتفاجئ،كرر طارق ذلك وقد بدا منهاراً تماماً: أنا الذي اقترح ذلك. - ولماذا فعلت ذلك يا طارق؟. - فعلت ماذا؟، لقد اقترحت مكان الحفر فقط، لم أفعل أي شيء آخر. قال ذلك بعصبية واضحة لكني كررت عليه سؤالي بحزم أكبر، فظل الفتى ينكر فعل أي شيء، لم أكن لأصدقه أبداً، لقد بدا مرتبكاً وشارداً عند الغداء، لقد كان شارداً طوال الوقت، والخوف الواضح على وجهه الآن دليل على أنه فعل شيء ما يخاف من عاقبته، ولا أعلم لماذا لكن هناك أمر ما خطر ببالي فقلت لطارق بثقة: لقد سمحت للرجال الملثمين ببيع بضاعتهم في الإسطبل، أليس كذلك؟!. أمام لهجتي الواثقة انهار طارق تماماً وأعترف بعد فترة من الصمت قائلاً: لم أكن أعلم أنهم سيتخذونني كبش فداء لهم، لقد طلب أحدهم مني أن أبقي باب الإسطبل مفتوح ليلاً، وقالوا أنهم سيستعملونه في بيع بضاعتهم، لم يخبروني عن نوع البضاعة لكنهم عرضوا علي أجراً مغرياً، وقبل عدة أسابيع أخبروني بأنهم يخبئون لي مكافئة على لطفي معهم في تلك البقعة وقد صدقتهم لذا حين أخبرني أبي أنه يريد نقل الشجرة من مكانها اقترحت من فوري تلك البقعة فقد أردت إخراج مكافئتي بشكل طبيعي وكأنه كنز مدفون. يا للطفل الساذج، لم يعلم بأنهم كانوا قد اتخذوا منه كبش فداء لهم منذ البداية، استعمال الإسطبل ومن ثم العثور على المخدرات في منزله، لقد علموا دون أدنى شك بأن شرطة القرية أرسلت بطلب شرطة المدينة لذا سارعوا لوضع العقبات في وجه رجال الشرطة وطارق كان ضحيتهم ، سألته ولا أزال حازماً معه: ومن الذي استأجر منك الإسطبل وأخبرك بشأن المكافئة . - إنهما شخصان على ما اعتقد وأنا لم أراهم فقد تكلما معي هاتفياً. صمت قليلاً ثم قال لي بصوت خائف: لن يعتقلوني، أليس كذلك؟. رق قلبي لهذا الصبي الخائف ونظرت إلى السيد عادل كان هادئاً وكأنه كان يعرف ما قاله لي ابنه منذ البداية أما عمتي فقد انفجرت بالبكاء، فقلت لطارق بجدية: كنت غبياً جداً، كيف لك أن تثق بغرباء خاصة بعدما انتشرت السموم في قريتكم الصغيرة، كان عليك أن تكون أكثر حذراً بالتعامل مع الغرباء. - هل سيعتقلونني؟. قال ذلك بصوت ضعيف منهار فقلت له بلطف: لن أسمح بحدوث ذلك، أعدك. ثم نظرت إلى السيد عادل الذي كان ينظر إلي بهدوء مصطنع، فقد استطعت رؤية الحزن العميق تحت هذا القناع فقلت له: لا تقلق، أعدك بأنه لن يغمض لي جفن حتى ينال أولئك المتوحشين ثمن فعلتهم هذه، أعدك. لكنه ظل ينظر إلي بصمت، ولا أعلم لماذا لكنني شعرت بقشعريرة في داخلي، أكان ذلك خوفاً من المجهول؟!، لا أعلم لكن ... أياً كان من أتعامل معهم فلن تكون مهمتي سهلةً أبداً. ***************** في تلك الليلة لم استطع أن أنام ،كنت استعرض كل من قابلتهم من أهالي القرية واحداً تلو الآخر، لم استطع الشك بأي منهم سوى والد زوجة مازن، بدا لي مجرماً مثالياً لكن الفترة التي عملت بها في الشرطة علمتني أن المظاهر الخارجية خادعة، فالمجرم الظاهر والذي تحوم حوله الشبهات لمجرد شكله هو بحقيقة الأمر شخص نبيل، أما الشخص الذي يبدو لي أبعد ما يكون عن الإجرام يكون بحقيقة الأمر أدهى المجرمين، لذا لم استطع استبعاد أيٍ كان خاصة أنهم أكثر من واحد، فكرت ملياً ولم أصل إلى نتيجة، كانت هنالك مجموع من الأفكار المشتتة، لكنني لم استطع جمعها معاً، وحين دقت الساعة الواحدة ليلاً رن هاتفي، لقد كان الضابط هاني، أجبت عن المكالمة وأنا أشعر بالانزعاج فهاني اتهم السيد عادل وأصر على أنه المجرم الذي يبحث عنه، جاءني صوته الهادئ المعتاد قائلاً: أنت مستيقظ كما توقعت. - لماذا اتصلت بي؟. - أنت منزعج مني أليس كذلك؟. - من السخف أن ترى السيد عادل مجرماً. - صدقني يا عزيزي، الحياة علمتني أكثر منك. - لكنني أعرف السيد عادل حق المعرفة، لا يمكن أن يكون هو من تبحث عنه. - ربما. - بل أنا أكيد. - أخبرني بنظريتك إذن. - لقد.. قاطعني صوت هاني قائلاً: تمهل .. هذه الأمور لا تناقش عبر الهاتف، أخرج .. أنا في مزرعة زوج عمتك، أسرع أنا في انتظارك. قال ذلك ثم أغلق الهاتف في وجهي، لقد ضايقني هذا التصرف وكم رغبت لو أتركه ينتظر هناك لوقت طويل، لكني رغبت بمعرفة ردت فعله حين أخبره بما علمته هذا المساء، قد يغير ذلك من رأيه .. من يدري؟!، ارتديت ملابسي وخرجت بهدوء من المنزل، كان هاني واقفاً وهو يسند ظهر للسياج، وحين رآني قال لي:ها قد أتيت كما توقعت، هيا أخبرني بما لديك. أخبرته بما دار بيني وبين طارق من حديث، وحين انتهيت قال لي بتمهل:هكذا إذن. - أمازلت تشك بالسيد عادل؟. - أنا لم أقل أني أشك به. - لكنك.. - ما لا أفهمه هو حركتهم الأخيرة هذه؟، ماذا استفادوا من ذلك؟. - لقد ركزوا الشبهة على طارق وأبعدوه عنهم. - لست مقتنعاً. - المهم الآن ما هي خطوتنا التالية. - ما رأيك أنت؟. - لا أعلم، إنهم على الأقل خمسة رجال، لذا.. - ربما. - ماذا تقصد؟، لقد رأيتهم يخرجون من الإسطبل، كانوا خمسة رجال. - لا أستطيع قول أي شيء بهذا الخصوص الآن يا جواد. هذه هي المرة الأولى التي أتعامل فيها مع هاني، لطالما سمعت أبي وهو يصفه بالشخص الغامض والآن أشعر فعلاً بمعاناة والدي معه، يصعب على أي شخص التعامل مع هذا الضابط ما لم يكن يملك أعصاباً هادئة وهذا ما لا أملكه أنا، لذا قلت له بنفاذ صبر: هاني، أتوسل إليك ألا تفقدني صوابي، قل لي بما تفكر. - هدئ من روعك أيها الشاب، لا يمكن حل الأمور بالتسرع، ابحث وفكر واستنتج، هذا كل ما عليك فعله للوصول إلى الحل، لا اعتقد أن هذه القضية صعبة أبداً، لقد مررت بما هو أصعب من ذلك. لا أعرف كيف تمكن والدي من التعامل مع هذا المتبختر طوال الخمس سنوات الماضية، أما أنا فلا أستطيع تحمله للحظة واحدة بعد الآن، أكمل هاني كلامه قائلاً: المشكلة تكمن بعواطفك ... ولكي تصل إلى الحل اترك عواطفك جانباً. - لا تزال تشك بالسيد عادل إذن، خذ مني هذه النصيحة، إن أصررت على ظنونك فسوف تخسر هذه القضية دون أدنى شك. - أتعتقد هذا حقاً!. لم استطع البقاء معه لحظة أخرى، لذا تركته وعدت أدراجي إلى المنزل بينما بقي هو يراقبني وأنا أبتعد بصمت، لقد فشلت بتغير وجهة نظره، لكن ذلك لا يهمني أبداً، سأثبت له أنه أحمق بطريقة تفكيره تلك، إنها قضيتي وسأنجح بها بإذن الله. |