اعرف قدر نفسك
كثير من الناس يظن أن هذه الكلمة لا تقال إلا لمن يتطاول إلى منزلة
ارفع من منزلته ، أو يدعي فضيلة ليس منها و لا هي منه ! فيقولون
له : اعرف قدر نفسك . أو رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه . و كثير من
الناس يركن إلى هذا الخاطر ؛ فإذا اسند إليه عمل و هو قادر عليه ،
تنصل منه و ربما قال : رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه .
و الحقيقة أن هذه ا لكلمة و أمثالها تقال فيمن يرفع نفسه فوق قدرها
، و تقال – كذلك – فيمن ينزلها دون منزلتها ؛ فالذي يرفع نفسه فوق
قدرها إنما يرهقها ، والذي ينزل نفسه أقل من قدرها يضيع إمكاناتها
سدى .
و أما الذي يقدر نفسه حق قدرها فإنه يضعها في مكانها دون إرهاق
لطاقتها و دون إهدار لمميزاتها ؛ فلا يقتصر على تذكر جوانب الضعف
فيها ؛ لأن ذلك يقود إلى المبالغة في احتقارها ، وبالتالي تحجم و لا
تقدم .
بل يتذكر مع ذلك جوانب القوة و الإبداع فيها ؛ حتى تنبعث إلى الإقدام
على ما يليق بها . و العاقل السوي الذي ينظر الأمور كما هي – هو ذلك
الذي يسير على حد الاعتدال ؛ فلا يغر بما أوتي من ذكاء ، و علم ،
وقوة ؛ فيزعم لنفسه كل فضيلة ، ويتطاول بغروره إلى كل منزله .
و لا يركن في الوقت نفسه إلى جوانب الضعف فيه ، فيقوده ذلك إلى
المبالغة في احتقار نفسه ، و ازدراء إمكاناته و مواهبه فيقعد عن
كل فضيلة ، و يعيش في هذه الحياة و كأنه همل مضاع ، أو لقيُّ مزدري .
و لم أرى في عيوب الناس شيئاً كنقص القادرين على التمام . 
